* * *
أعود مجددا للكتابة عن هذا الأسد الشيخ .. الذي اختاره الله ليقود دفة الجهاد .. ويضرب للعدو قبل الصديق كيف تكون الشجاعة .. وكيف يكون البذل في سبيل الوطن وكيف يكون الفداء .. نعم اختاره الله اسما على مسمى " عمر المختار " .
صاحب هذا الاسم الجليل .. لا ينتسب كغيره من أبطالنا إلى قبيلة بعينها .. أو إلى مدينة من مدننا .. أو إلى عشيرة أو عائلة ما ، مهما كثر تعدادها وتعددت أنسابها .. ولم يذكر ولو لمرة واحدة منسوبا إلى قبيلته المعروفـة .. بل جاء باسمه الجميل الذي عرف به .. ليكون انتسابه إلى الوطن بأسره .
* * *
أكتب هذا الكلام .. متأثرا بما سمعته ذات يوم من أحد ثعالب الدين .. ممن يلبسون لكل حال لبوسا .. ويمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية .. الذين يعطلون فريضة الجهاد .. ويسبون العلماء .. وينقمون على كل مجاهد شجاع صادق غيور .
جلست مع ( هذا المشار إليه ) وقد شرع يكيل السباب للمجاهدين .. ولا يتورع عن وصفهم ، بأوصاف لا تليق بمسلم .. فقلت له :
ــ أترضي أن يقال هذا الكلام عن عمر المختار .. المعروف بصدقه وشجاعته وحسن تدينه .. ؟
أتدرون ماذا قال لي .. قال لي وللأسف الشديد :
ــ عمر المختار عاش ومات صوفيا .. وهو كما نعرف من أتباع الحركة الصوفية المعروفة .
قلت له : ــ ألم يشفع له تاريخه الجهادي المشرف .. عمر المختار عاش واستشهد ناسكا وعابد ومجاهدا .. عمر المختار يمثل الزهد الإسلامي الرفيع .. الذي كان عليه صحابة رسول الله .. ولو كان صوفيا بالمعني الذي تعرفه .. لما حمل السلاح لأكثر من عشرين عاما .
قال : ــ وما دليلك على ذلك .. ؟
ــ جهاده .. وهذا يكفي .
ــ لم يكن جهاده خالصا لوجه الله .. كان ينفذ أوامر أسياد تلك الحركة
قلت : ــ إنك تظلم الرجل .. ثم إنه لم يثبت في تاريخنا الإسلامي أن حمل المتصوفة السلاح وجاهدوا الغزاة .. اذكر لي صوفيا واحدا .. ولا أقصد بطبيعة الحال .. الذين يمثلون الزهد الإسلامي الرفيع الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم .. ويمثله جل الصحابة .
قال : ــ أستنتج من كلامك أنك تدافع عن تلك الحركة أيضا .
قلت : ــ فسر كلامي كما يحلو لك .. تاريخنا الإسلامي بأسره يؤكد لنا أن كل الطوائف الصوفية على تعدد أسمائها واختلاف توجهاتها .. لم تحمل السلاح في وجوه الغزاة ولم تجاهد دفاعا عن الوطن .. ومن هنا يشجعها الاستعمار وأعوان الاستعمار لأنها تمثل الإسلام السلبي ..الإسلام الجامد المتقوقع .. الإسلام المريض .. ولا تمثل الإسلام الإيجابي الذي يؤثر في إحداث الأمة ويتفاعل مع قضاياها المصيرية .. ومما يؤخذ على الإمام الغزالي رحمه الله .. وقد كان متصوفا في بداية حياته ثم رجع عن ذلك وأقلع .. أنه لم يحمل السلاح ولم يجاهد قط .
ــ أرى أنك معي في حقيقة الصوفية .
ــ لا .. أنا لست معك .. لأنني أري أن فكرك هذا يمثل أيضا الإسلام السلبي .. الإسلام الجامد المتلقي الذي يتأثر بالأحداث ولا يؤثر فيها .
ــ ومن أين استقيت ذلك .. ؟
ــ أنا أشك في كل طائفة تعطل فريضة الجهاد .. وتكره المجاهدين وتحقد عليهم .. بل إنني أعتبرهم صوفية العصر الحديث .. وهم يمثلون الإسلام السلبي الذي يشجعه المستعمرون ويباركه الطغاة والمتسلطون .
ــ أنت تهاجمني شخصيا .. رغم أنني أكره الصوفية ورجالاتها .
ــ أنا لم أهاجمك شخصيا .. لكنني أرى أنكم تلتقون مع المتصوفة في بغضكم لعلماء الأمة .. وتعطيلكم لفريضة الجهاد .. رغم أننا وكما ترى قد غزينا في ديارنا .. ومن هنا فليس ثمة فرق بينكم وبينهم في نهاية المطاف .
ــ لا تشعب الحديث .. " خلينا " في عمر المختار الذي تعطونه أكثر مما يستحق .
ــ بما أنك تعتقد أننا نعطي عمر المختار أكثر مما يستحق .. فأنا أفضل أن أترك الحديث عنه .. لأحدثك عن حصانه .
ــ تحدثني عن حصانه .. !!! وهل تقدسون حصانه أيضا .. ؟
ــ نعم .. أنا أعتقد أن الحصان الذي كان يجاهد عليه عمر المختار أفضل عند الله من كل معطل للجهاد ، حاقد على المجاهدين ، ساب لعلماء الأمة .. ويدعو بالمقابل إلى طاعة الغزاة والقبول بالأمر الواقع .. أقول لك كل ذلك لأنني لا أحب من لا يحب عمر المختار ورفاقه الأحرار .. نحن قوم لا نسب العلماء ولا نكره المجاهدين .. بل نكره الغزاة الطامعين .. وإذا غزينا في ديارنا .. فالموت في سبيل الله من أسمى أمانينا .
http://www.sanabell.net